عبد الكريم الخطيب
612
التفسير القرآنى للقرآن
ويلبسه لباس الإيمان الذي كاد يتعرّى منه . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ . أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . . » ( 60 - 62 : المؤمنون ) فهؤلاء هم الذين أحسنوا ، وهؤلاء هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، وهؤلاء هم الذين يقعون تحت حكم قوله تعالى : « إِلَّا اللَّمَمَ » . . فإن اللمم الذي يجترحونه ، هو من جراحات معركة قد كانت حامية الوطيس ، بين أهواء النفس ، وبين وازع الإيمان باللّه ، والخشية له ، والخوف منه . . وإن جراحات هذه المعركة ، التي أصيب فيها المؤمن المجاهد لأهواء نفسه وشهواتها ، لتجد لها عند اللّه ، من مرهم الرحمة والمغفرة ، ما يعفّى عليها ، ويذهب بآثارها ، ويكتب العافية والشفاء ، للمصاب بها . . أما الذين يتخذون من قوله تعالى : « إِلَّا اللَّمَمَ » رخصة إلى تقحّم هذه المنكرات ، واستساغة مطمعها الخبيث ، واعتياد غشيان مواقعه ، والتردّد على موارده - فإنه مهلكة لا نجاة منها ، وجراحات لا شفاء لها ، وإنه لهو الحرب السافرة للّه ، ولشريعة اللّه ، إنه لهو العدوان المتعمد على حدود اللّه . . « وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ » ( 1 : الطلاق ) . وقوله تعالى : « إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ » . . ليس بالذي يغرى بالجرأة على اللّه ، وبمجاوزة الإلمام بالفاحشة إلى مقارفتها والوقوع فيها ، وإنما هو عند الذين في قلوبهم إيمان باللّه ، وحياء منه ، وخشية له - داعية إلى الإقبال على اللّه ، وإلى السعي حثيثا إلى ساحة فضله ، وإحسانه ، ليلقى المؤمن ربه بقلب سليم ؛ وكيان نظيف ؛ يليق بهذه الساحة الكريمة التي يحلّ بها . . وقوله تعالى : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي